فخر الدين الرازي
146
تفسير الرازي
ولأن أكثر الألفاظ في هذا المعنى جاء على المعنى بفعل دون فاعل كقوله : * ( لم يطمثهن ) * ( الرحمن : 56 ) وكقوله : * ( فانكحوهن بإذن أهلهن ) * ( النساء : 25 ) وأيضاً المراد من هذا المس : الغشيان ، وذلك فعل الرجل ، ويدل في الآية الثانية على أن المراد من هذا المس الغشيان ، وأما ما جاء في الظهار من قوله تعالى : * ( من قبل أن يتماسا ) * فالمراد به المماسة التي هي غير الجماع وهي حرام في الظهار ، وبعض من قرأ : * ( تماسوهن ) * قال : إنه بمعنى * ( تمسوهن ) * لأن فاعل قد يراد به فعل ، كقوله : طارقت النعل ، وعاقبت اللص ، وهو كثير . المسألة الثانية : لقائل أن يقول : ظاهر الآية مشعر بأن نفي الجناح عن المطلق مشروط بعدم المسيس وليس كذلك فإنه لا جناح عليه أيضاً بعد المسيس . وجوابه من وجوه الأول : أن الآية دالة على إباحة الطلاق قبل المسيس مطلقاً ، وهذا الإطلاق غير ثابت بعد المسيس ، فإنه لا يحل الطلاق بعد المسيس في زمان الحيض ، ولا في الطهر الذي جامعها فيه ، فلما كان المذكور في الآية حل الطلاق على الإطلاق ، وحل الطلاق على الإطلاق لا يثبت إلا بشرط عدم المسيس ، صح ظاهر اللفظ . الوجه الثاني : في الجواب قال بعضهم : إن * ( ما ) * في قوله : * ( ما لم تمسوهن ) * بمعنى * ( الذي ) * والتقدير : لا جناح عليكم إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن ، إلا أن * ( ما ) * اسم جامد لا ينصرف ، ولا يبين فيه الإعراب ولا العدد ، وعلى هذا التقدير لا يكون لفظ * ( ما ) * شرطاً ، فزال السؤال . الوجه الثالث : في الجواب ما يدور حوله القفال رحمه الله ، وحاصله يرجع إلى ما أقوله ، وهو أن المراد من الجناح في هذه الآية لزوم المهر ، فتقدير الآية : لا مهر عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ، بمعنى : لا يجب المهر إلا بأحد هذين الأمرين ، فإذا فقدا جميعاً لم يجب المهر ، وهذا كلام ظاهر إلا أنا نحتاج إلى بيان أن قوله : * ( لا جناح ) * معناه لا مهر ، فنقول : إطلاق لفظ الجناح على المهر محتمل ، والدليل دل عليه فوجب المصير إليه ، وأما بيان الاحتمال فهو أن أصل الجناح في اللغة هو الثقل ، يقال : أجنحت السفينة إذا مالت لثقلها والذنب يسمى جناحاً لما فيه من الثقل ، قال تعالى : * ( وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم ) * ( العنكبوت : 13 ) إذا ثبت أن الجناح هو الثقل ، ولزوم أداء المال ثقل فكان جناحاً ، فثبت أن اللفظ محتمل له ، وإنما قلنا : إن الدليل دل على أنه هو المراد لوجهين الأول : أنه تعالى قال : * ( لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أن تفرضوا لهن فريضة ) * نفى الجناح محدوداً إلى غاية وهي إما المسيس أو الفرض ، والتقدير : فوجب أن يثبت ذلك الجناح عند حصول أحد هذين الأمرين ثم إن الجناح الذي